ما معنى التجسد؟؟

 111

 "عظيمٌ هو سِرُّ التَّقوَى: اللهُ ظَهَرَ في الجَسَدِ" (1تي3: 16).

 التجسد الإلهي: * يعني أن الله وهو ملك السموات والأرض قد تنازل وأخذ جسدًا إنسانيًا، فاتحد بطبيعتنا، وظهر بيننا على الأرض.

* وأن الله الغير منظور قد صار منظورًا في جسد الإنسان.

* وأن الله قد تواضع حبًا فينا، وأخلى ذاته وأخذ جسدنا.

- "أخلَى نَفسَهُ، آخِذًا صورَةَ عَبدٍ، صائرًا في شِبهِ الناسِ" (في2: 7).

- "والكلِمَةُ صارَ جَسَدًا وحَلَّ بَينَنا" (يو1: 14).

الله الكلمة

* الله الكلمة "أقنوم الابن" صار إنسانًا وحلّ بيننا.. وكلمة (صار) لا تعني هنا الصيرورة أو التحول.. بل هي تعني حرفيًا (أخذ جسدًا).

* فأقنوم الابن "الله الكلمة" أزلي لا يتغير ولا يتحول بل هو ثابت.. وكل ما حدث هو أنه أخذ جسدًا ليحل بيننا بصورة حسية، فنسمعه ونراه.. ولذا يقول مُعلِّمنا يوحنا الرسول"الذي سمِعناهُ، الذي رأيناهُ بعُيونِنا، الذي شاهَدناهُ، ولَمَسَتهُ أيدينا" (1يو1: 1).

* أقنوم الابن لم يتجسد فقط ولكنه تجسد وتأنس، وهذا يعني أنه تجسد في جسد إنساني وأخذ الطبيعة الإنسانية كلها.

* التجسد الإلهي لا يعني أن الله قد أخلى السماء من وجوده حين نزل على الأرض، فوجوده يملأ السموات والأرض.. وإنما أخلى ذاته من المجد.

هذا الأمر دخل في دائرة قدرة الله وليس فيه صعوبة أو غرابة، لأن الذي يملك الكل يملك الجزء، والذي يملك الأكثر يملك الأقل.

أليس في قدرة الملك أن يلبس رداء العمال ويجلس بينهم ويتحدث إليهم!!

أليس في قدرة المدرس أن ينزل إلى مستوى التلاميذ ويتحدث إليهم!!

أليس في إمكان الرجل الرفيع الشأن أن يتنازل ويسير بين عامة الناس!!

ولذلك نطرح سؤالًا هامًا ونقول..

هل من قدرة الله أن يتجسد أم ليس في قدرته؟

فإذا قلنا إن الله ليس في قدرته أن يتجسد فإننا ننسب إليه الضعف.. إذ هو لا يستطيع أن يتجسد.

فممكن أن يقول البعض إن التجسد هو ضعف لا يليق بالله، ولكنه هذا ليس من الحق في شيء.. فإن التجسد هو عمل من أعمال القوة وليس عملًا من أعمال الضعف، وهو داخل في قدرة الله اللانهائية وغير المحدودة.

التجسد معناه: شيء كان موجود غير محسوس (لا مرئي)، وليس له كيان جسدي، وبعد ذلك أخذ جسدًا.

مثل "فكرة" في الذهن.. "غير محسوسة وغير مرئية"، ثم أفكر فيها كثيرًا، فتتحول إلى فكرة محسوسة في صورة (ماكيت، شعر، مقالة....) وبذلك تأخذ كيان محسوس.

الله كائن منذ الأزل

* الله كائن منذ الأزل ويملأ الوجود ولكن ليس له جسد، وقد تحدثنا عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلاهيمانوت في أقسام أخرى.. في ملء الزمان أخذ جسدًا لكي نراه بعيوننا.. فإذا كان لم يأخذ جسدًا كنا لا نراه ولا نتكلم معه ولا نحسه.

* الوحيد الذي تجسد هو السيد المسيح.. لأنه هو الوحيد الذي كان موجودًا قبل ميلاده وليس عنده جسد. وهذا ما يفسر لماذا وُلد من غير أب..

لماذا وُلد من غير أب؟

* لأنه كان موجودًا قبل كل الدهور ولكن ليس له جسدًا.. الأب يعطي الوجود والأم تعطي الجسد، أي كائن حي موجود على الأرض أيًا كان.. حيوان أو إنسان أو نبات.. يحتاج إلى أب وأم.. النبات: "البذرة" (الأب)، "الأرض" (الآم).

ليس له جسد

* الوحيد الذي كان موجودًا وليس له جسد هو الله.. لذلك احتاج أُمًا تعطي له جسدًا، ولكنه كان لا يحتاج إلى أب لأنه كان موجود.. (الأب يعطي الكيان "البذرة" بالنانو جرام، والأم تعطي الجسد).

* كان ممكن أن السيد المسيح يحضر له جسدًا من السماء ولا يحتاج لهذا الجسد.

* كان ممكن ولكنه لو حدث ذلك لأصبح من طبيعة أخرى غير طبيعتنا البشرية، وكان لا يستطيع أن يخلصنا على الصليب لأنه ليس ابن الإنسان.

فالفداء يحدث عن طريق الإنسان.. ليفدي الإنسان الذي أخطأ..  فيلزم نفس الطبيعة.

ربنا يبارك حياتكم ولإلهنا المجد الدائم إلى الأبد آمين.

19- لماذا التجسد؟

لم يكن تجسد ابن الله هدفًا في ذاته بل كان وسيلة لتحقيق أهداف عظمى وهي:

 فداء الإنسان

إذ بذل أقنوم الابن جسده فداءً عن الإنسان الساقط.

 تجديد خلقة الإنسان

إذ جاء ابن الله الكلمة المتجسد ليتحد بطبيعتنا الساقطة، ويُقيمها من ضعفها ويجددها.. بل ويُعيد خلقتها لتصير طبيعة مُقدسة.

تعليم الإنسان الفضيلة والكمال، وتقديم المثل الأعلى

إذ أتى أقنوم الابن وعلّم الإنسان الفضيلة والكمال، ليس بكلامه فقط بل بشخصيته أيضًا، فعاش كاملًا، مُقدمًا مَثلًا وقدوة يسير عليها المؤمنون.

لأن الله غير قابل للموت بلاهوته..

أخذ جسدًا قابلًا للموت،

فيه ذاق الموت من أجل الجميع.

"يا من ذاق الموت بالجسد في وقت الساعة التاسعة من أجلنا نحن الخطاة" (قطع الساعة التاسعة).

إذًا لابد من التجسد لكي يتم الخلاص وفداء الإنسان.

لماذا يفدينا؟

* خلق الله الإنسان على صورته ومثاله.. "وقالَ اللهُ: "نَعمَلُ الإنسانَ علَى صورَتِنا كشَبَهِنا، فيَتَسَلَّطونَ علَى سمَكِ البحرِ وعلَى طَيرِ السماءِ وعلَى البَهائمِ، وعلَى كُل الأرضِ، وعلَى جميعِ الدَّبّاباتِ التي تدِبُّ علَى الأرضِ" (تك1: 26).

* وبدأ الله يفكر في هذا المخلوق الذي يريد أن يعمله على صورته وشبهه.. "وجَبَلَ الرَّبُّ الإلهُ آدَمَ تُرابًا مِنَ الأرضِ، ونَفَخَ في أنفِهِ نَسَمَةَ حياةٍ. فصارَ آدَمُ نَفسًا حَيَّةً" (تك2: 7). بهذه النفخة التي نفخها الله لتعطي الحياة للإنسان.. طبع الله صورته فينا، وسكن فينا بروحه الذي يحبنا ويجعلنا ننمو كل يوم في القداسة على صورة الله.

 
 

* "ليس جَيدًا أنْ يكونَ آدَمُ وحدَهُ، فأصنَعَ لهُ مُعينًا نَظيرَهُ" (تك2: 18).. استيقظ آدم فوجدحواء بجانبه وشعر بمحبة عظيمة نحوها.

* "هذِهِ الآنَ عَظمٌ مِنْ عِظامي ولَحمٌ مِنْ لَحمي" (تك2: 23).. أعطى الله آدم السلطان على كل الخليقة.. ثم سقط آدم بمخالفته الوصية.

آدم أيها المحبوب.. إنك مخلوق من تراب، وكان يمكن أن تظل تربًا، لكنني أردت أن أخلقك لأمتعك بالوجود معي. لقد خلقت الحيوانات يا آدم بلا عقل أو حرية، ولكنني أحبك لذلك أعطيتك من عقلي ومن حريتي ومن إرادتي، لأني خلقتك رجلًا محبوبًا.

* بعد سقوط آدم وحواء.. صنع لهم الله أقمصة من الجلد "ذبح حيوان" "الدم".. فكرة الذبيحة النائبة عن المخطئ وضعت من ذلك الوقت.

* فكر الله في خلاص الإنسان الذي أخطأ وطُرد من الجنة.. كيف ومتى.. لقد أخذ العدل الإلهي مجراه، فطُرد آدم من حضرة الله القدوس، وسرى عليه حكم الموت الأبدي.

ما هو قدر خطية آدم؟

إنها غير محدودة.

لماذا؟

لأن الخطية تقدر بشخصية المخطئ إليه.

فمثلًا:

* لو أخطأ إنسان في حق ابنه، يكون الخطأ بسيطًا فيمكن إصلاحه بالاعتزاز.

* بينما نفس الخطأ لو حدث مع صديق فيكون الصلح أصعب.

* ولو حدث مع الرئيس في العمل يكون أصعب وأصعب وقد يحتاج تدخل الآخرين.

* ولكن ما رأيك لو حدث نفس الخطأ مع رئيس الدولة؟ بلا شك ستكون هذه الإهانة موجهة للدولة ككل، وقد تحدثنا عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلاهيمانوت في أقسام أخرى.. وقد يقع مرتكب هذا الخطأ تحت حكم السجن مدى الحياة.

هنا نتأمل خطية أبونا آدم..

كم هي معقدة وغير محدودة!! لأنها موجهة ضد الله الغير محدود. هذه الخطية توارثها جميع أبناء آدم ولم يفلت منها أحد.

وبما أن خطية آدم وجهت لله الغير محدود، أصبحت خطية غير محدودة.. لذلك وجب أن الذي يفي العدل الإلهي ويخلص آدم يكون كائن غير محدود.

ولأن الخطية التي وجهت لله كان المخطئ فيها إنسان له جسد.. أصبح الذي يفي عدل الله لابد أن يكون له جسد.

ولأن الإنسان بطبيعته التي أفسدها أصبح طبيعة خاطئة يحمل الخطية في كل شيء، ولأن فاقد الشيء لا يعطيه.. فكيف يفي الإنسان الخاطئ أو يفدي الإنسان الخاطئ إنسانًا آخر خاطئ مثله؟

فلابد الذي يفديه يكون بلا خطية.

لذا وجب شروط للفادي الذي يفدى الإنسان:

شروط الفادي

* كائن ذو طبيعة بشرية... له جسد.

* كائن غير محدود.

* بلا خطية.

مَنْ يفدي آدم؟

* رئيس ملائكة!!

* نبي أو رئيس أنبياء!!

* إنسان!!

اللاهوت لا يموت.. لذلك لازم يأخذ جسد قابل للموت.. لذلك وجب تجسد الابن الوحيد.

لذلك لزم أن يكون كائنًا غير محدود بلا خطية، ذو طبيعة بشرية وطبيعة قابلة للموت. مَنْ هذا الكائن غير.. الإله المتجسد.. السيد المسيح!

لذلك وجب نزول الأقنوم الثاني، وحلوله في بطن السيدة العذراء، وتكوين جسد له بحلول الروح القدس فى بطنها، وخروجه من بطنها.. إلهًا متجسدًا.. إلهًا آخذًا صورة إنسان.

 20- كيف حدث التجسد؟

 * الله بنفسه (اللوغوس) دخل في أحشاء السيدة العذراء..

* ونقى لنفسه من لحمها وأنسجتها..

* وكوّن لنفسه جسدًا كاملًا..

* وأخذ ينمو نموًا كاملًا تسعة أشهر حتى وُلد ولادة جسدية عادية..

* وأخذ يعيش على الأرض كإنسان حقيقي، وينمو نموًا بشريًا حقيقيًا كإنسان حقيقي وليس تمثيل.

كان إنسانًا..

ولكنه كان يحمل في داخله جوهر اللاهوت.

السيد المسيح هو الوحيد

الذي اختار والدته واختار لنفسه جسده.

"تطلع الآب من السماء فلم يجد مَنْ يشبهك أرسل وحيده أتى وتجسد منكِ" (ثيؤطوكية الأربعاء).

العذراء مريم هي أحسن البنات، ودخل فيها، واختار منها أحسن الصفات الموجودة فيها.. لذلك وُلد.. أبرع جمالًا من بني البشر.

وهذا الجسد أيضًا بلا خطية لأن لا يوجد خطية دخلت للسيدة العذراء عن طريق الزواج كما يحدث مع الجميع.. لذلك قطع هذه القصة.. الخطية.. ووُلد من العذراء بغير زرع بشر.

ولماذا أخذ جسدًا بلا عيب؟

(أي بدون عيوب خلقية)

 
 

لأنه لا ينفع أن يكون ذبيحة وبها عيب.. فالذبيحة بلا عيب جسدي.. لا يوجد عند السيد المسيح أي عيوب خلقية.. صفاته الجسدية كانت كلها نموذجية.

"أبرَعُ جَمالًا مِنْ بَني البَشَرِ" (مز45: 2).. السيد المسيح بارك كل مراحل الحياة.. من أول الزيجوت zygote حتى الرجل الكامل.

بركات التجسد

 1. الخلاص (الفداء):

لولا أن الله تجسد لم يكن الإنسان قد خلص.. لأن الخلاص بالموت"موت المسيح من أجلنا". عندما جاء الله للأرض جاء ليخلصنا.

 2. بارك طبيعتنا البشرية:

"باركت طبيعتي فيك".. نشكر الله أنه لم يتجسد في شكل خروف أو أي حيوان أو ملاك أو نجمة أو غير ذلك.. باتخاذه جسد بشري (إنسان) بارك طبيعة الإنسان فيه، وأعطى كرامة فائقة للجنس البشري.. العذراء مريم ليست غريبة عن البشر.

3. تقديس الحياة اليومية:

بارك كل مراحل الحياة (أكل، شرب، نوم، استيقاظ، تأمل، عمل أيام روحية......) قدّس كل مراحل الحياة التي نعيشها.

4. تقديس الجسد:

أعطى كرامة فائقة للجسد.. "أما تعلَمونَ أنَّكُمْ هيكلُ اللهِ، وروحُ اللهِ يَسكُنُ فيكُم؟" (1كو3: 16)، وقد تحدثنا عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلاهيمانوتفي أقسام أخرى. أصبح الجسد له كرامة فائقة بعد تجسد السيد المسيح، كما يحدث مع القديسين.. يخرج من الجسد أنوار، ويخرج منه قوة شفاء حتى بعد موته.

 5. شركة الحياة الأبدية:

فتح لنا باب السماء وأعطى للروح كرامة في السماء.. لذلك تصعد الروح للسماء بعد موت الإنسان.

ولأن السيد المسيح بعد موته دخل السماء فاتحًا الباب المغلق.. الملاك ذو السيف الملتهب نار "اِرفَعنَ أيَّتُها الأرتاجُ رؤوسَكُنَّ، وارتَفِعنَ أيَّتُها الأبوابُ الدَّهريّاتُ، فيَدخُلَ مَلِكُ المَجدِ" (مز24: 17).. دخل الإنسان مع السيد المسيح وأصبح باب السماء مفتوح أمامنا.

6. نعمة الإفخارستيا:

أعطانا جسده ودمه في سر الإفخارستيا.. فلو لم يتجسد لم يكن أعطانا جسده نأكله ودمه نشربه.

 7. التبني لله الآب:

أصبحنا أبناء الله الآب... بالتبني.

 8. معرفة الثالوث:

أوضح لنا الثالوث القدوس بتجسده في المعمودية... وفي التجلي... عرفنا الثالوث القدوس بالفعل في تجسد الابن الوحيد.